سيد محمد طنطاوي

394

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتشكروا ربكم الذي من مظاهر نعمته عليكم ، أنه يسوق لكم - بلطفه وقدرته - السفن التي تركبونها في البحر لكي تطلبوا من وراء ركوبها الرزق الذي يصلح معاشكم ، والذي هو لون من ألوان فضل اللَّه عليكم . وقوله : لتبتغوا من فضله ، تعليل لإزجاء الفلك ، وتصريح بوجوه النفع التي تفضل اللَّه - تعالى - بها عليهم . وقوله : * ( إِنَّه كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) * تعليل ثان لهذا الإزجاء . أي : يزجى لكم الفلك في البحر ، لتطلبوا من وراء ذلك ما ينفعكم ، ولأنه - سبحانه - كان أزلا وأبدا ، بكم دائم الرحمة والرأفة . ثم انتقل - سبحانه - من الحديث عن مظاهر نعمه عليهم ، في حال سوق السفن ودفعها بهم في البحر برفق وأناة ، إلى بيان رعايته لهم في حال اضطرابها وتعرضها للغرق ، بسبب هيجان البحر وارتفاع أمواجه ، فقال - تعالى - : * ( وإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاه . . . ) * . والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة ، والمراد به هنا : ما يعتريهم من خوف وفزع ، وهم يرون سفينتهم توشك على الغرق . والمراد بالضر هنا : اضطراب الفلك ، وارتفاع الأمواج ، واشتداد العواصف ، وتعرضهم للموت من كل مكان . المعنى : وإذا أحاطت بكم الأمواج من كل جانب وأنتم على ظهور سفنكم وأوشكتم على الغرق . . ذهب وغاب عن خواطركم وأذهانكم ، كل معبود سوى اللَّه - عز وجل - لكي ينقذكم مما أنتم فيه من بلاء ، بل إياه وحده - سبحانه - تدعون ليكشف عنكم ما نزل بكم من سوء . فالجملة الكريمة تصوير مؤثر بديع لبيان أن الإنسان عند الشدائد والمحن لا يتجه بدعائه وضراعته إلا إلى اللَّه - تعالى - وحده . قال القرطبي : * ( ضَلَّ ) * معناه تلف وفقد وهي عبارة عن تحقير لمن يدعى إلها من دون اللَّه . والمعنى في هذه الآية : أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة ، وأن لها فضلا ، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد ،